هل تنتهي مواجهات كأس العالم... لتبدأ مواجهات الشرق الأوسط؟ علي رضا ناصرالدين في عالم السياسة، لا تتحرك الأحداث الكبرى ب
هل تنتهي مواجهات كأس العالم... لتبدأ مواجهات الشرق الأوسط؟
علي رضا ناصرالدين
في عالم السياسة، لا تتحرك الأحداث الكبرى بمعزل عن التوقيت. فالحروب لا تبدأ فقط عندما تتوافر القدرة العسكرية، بل عندما ترى القوى السياسية أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافها. ومن هنا، يفرض انتهاء كأس العالم سؤالاً يتجاوز الرياضة: هل كان الهدوء النسبي الذي شهدته المنطقة خلال البطولة مجرد فترة مؤقتة فرضها انشغال العالم بهذا الحدث العالمي، أم أنه كان مرحلة انتقالية قبل عودة التوتر إلى الواجهة؟
خلال أسابيع كأس العالم، لم تتغير جوهر الأزمات في الشرق الأوسط. فالملفات الكبرى بقيت مفتوحة. العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، الصراع الممتد في فلسطين، الوضع الأمني في لبنان وسوريا، والتنافس على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. الذي تغير فقط هو موقع هذه الملفات في سلم الاهتمام العالمي. فالملاعب أخذت مساحة الإعلام، بينما بقيت السياسة تعمل خلف الستار. ومع انتهاء البطولة، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة، وتعود معها احتمالات التصعيد.
إن الفرضية التي تستحق النقاش هي أن مرحلة كأس العالم ربما شكّلت فترة ضبط للإيقاع، ليس لأن الأطراف تخلت عن أهدافها، بل لأن توقيت أي مواجهة واسعة خلال حدث عالمي بهذا الحجم قد لا يكون مثالياً سياسياً وإعلامياً. فالحرب الحديثة لا تُدار في الميدان فقط، بل تُدار أيضاً أمام الرأي العام العالمي، وفي الأسواق، وفي حسابات الحلفاء والخصوم.
والتاريخ يوضح أن التوقيت كان دائماً جزءاً من الصراع السياسي. فالأحداث الرياضية الكبرى لم تمنع الأزمات الدولية، كما أنها لم تكن سبباً مباشراً فيها، لكنها شكلت أحياناً خلفية زمنية لتحولات كبرى. فقد استُخدمت أولمبياد برلين عام 1936 لإظهار صورة قوة واستقرار قبل سنوات من الحرب العالمية الثانية، كما تزامنت أولمبياد بكين عام 2008 مع اندلاع الحرب الروسية الجورجية. الدرس هنا ليس أن البطولات تقود إلى الحروب، بل أن الدول تراقب دائماً اللحظة المناسبة للتحرك.
وفي الشرق الأوسط، لا تبدو الأزمة مرتبطة بحادثة واحدة، بل بصراع طويل حول النفوذ وشكل النظام الإقليمي. فالمنطقة ليست فقط مصدراً للطاقة فحسب، بل هي نقطة تقاطع للممرات البحرية والتجارة والتحالفات العسكرية. ولهذا، فإن أي تحول كبير فيها يصبح جزءاً من حسابات القوى الكبرى.
وفي قلب هذه الحسابات تأتي الولايات المتحدة. فمنذ عقود، اعتبرت واشنطن الشرق الأوسط منطقة ذات أهمية استراتيجية، ليس فقط بسبب مصالحها المباشرة، بل بسبب ارتباط المنطقة بموقعها العالمي وتحالفاتها الدولية. ومن هنا، تظهر فرضية سياسية ترى أن إدارة ترامب، إذا أرادت تحقيق حضور قوي في المنطقة، قد تسعى إلى تسجيل إنجاز استراتيجي أو عسكري يمكن تقديمه للرأي العام الأمريكي بوصفه دليلاً على قوة القيادة وفاعلية سياستها الخارجية.
وفق هذه القراءة، فإن أي انتصار عسكري أو أمني كبير في الشرق الأوسط قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية قبل الانتخابات النصفية الأمريكية، خصوصاً إذا استطاعت الإدارة تقديمه باعتباره نجاحاً في حماية المصالح الأمريكية وتعزيز النفوذ. كما أن العلاقات مع دول الخليج، بما تملكه من قدرات اقتصادية واستثمارات ضخمة، قد تدخل في حسابات إعادة ترتيب المنطقة بعد أي تطور كبير، سواء عبر مشاريع اقتصادية أو تفاهمات أمنية أو شراكات استراتيجية.
لكن هذه الحسابات، إذا وجدت، تبقى محفوفة بالمخاطر، لأن الشرق الأوسط أثبت مراراً أن الحروب قد تبدأ بأهداف محددة، ثم تفتح أبواباً لنتائج لم تكن محسوبة. فالتجارب التاريخية، من العراق إلى أفغانستان، أظهرت أن تحقيق تفوق عسكري لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار سياسي دائم.
أما في إسرائيل، فإن الحسابات الداخلية تلعب دوراً لا يمكن تجاهله. فنتنياهو لطالما ربط صورته السياسية بملفات الأمن والقدرة على مواجهة التهديدات الإقليمية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم فرضية أن أي مواجهة مع إيران أو حزب الله قد تُقرأ داخلياً بوصفها فرصة لإثبات القدرة على حماية إسرائيل، واستثمار ذلك في المعركة الانتخابية. فالانتصار العسكري، أو حتى القدرة على إظهار الردع، يمكن أن يصبح عنصراً مهماً في خطاب سياسي يقوم على فكرة أن القيادة القوية هي القادرة على مواجهة الأخطار الخارجية.
لكن المشكلة أن المنطقة لا تتحرك وفق رغبات السياسيين وحدها. فكل خطوة تحمل معها ردود أفعال مقابلة، وكل تصعيد قد يفتح مسارات يصعب التحكم بها. ولذلك، فإن الرهان على استخدام القوة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية يحمل دائماً احتمال أن تتحول الأداة الانتخابية إلى أزمة أكبر من الحسابات الأصلية.
ومن هنا، فإن ما بعد كأس العالم قد يمثل مرحلة حساسة، ليس لأن الحرب أصبحت حتمية، بل لأن مجموعة من العوامل قد تتقاطع في لحظة واحدة: انتهاء الانشغال العالمي بالحدث الرياضي، استمرار الملفات العالقة، تصاعد المنافسة الدولية، واقتراب استحقاقات سياسية تجعل عامل الصورة والانتصار أكثر أهمية لدى بعض القيادات.
السؤال الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة ليس فقط هل تريد الأطراف الحرب؟ بل، هل تستطيع التحكم بنتائجها إذا بدأت؟ فالتاريخ يثبت أن الدول قد تدخل المواجهات وهي تبحث عن انتصار سريع، لكنها كثيراً ما تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً.
وعندما تنتهي أضواء الملاعب وتعود السياسة إلى مركز المشهد، سيبقى الشرق الأوسط ساحة اختبار حقيقية لقدرة القوى الكبرى على إدارة الصراع. فقد تكون المرحلة المقبلة مجرد جولة جديدة من الضغط والردع، وقد تكون بداية تصعيد أوسع. لكن المؤكد أن المنطقة لم تغادر دائرة التنافس، وأن القرارات التي ستُتخذ في الأشهر المقبلة لن تحدد فقط مصير ملفات إقليمية، بل قد تؤثر في شكل النظام السياسي والأمني للشرق الأوسط لسنوات قادمة.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها